الجامعات وإعادة الإعمار بعد الحروب نافذة تفتحها المعرفة

يمر السودان - ومعه المنطقة بأسرها - بمرحلة تختلط فيها الهواجس بالآمال، وتتنازعها أسئلة المستقبل وضغوط اللحظة الراهنة. في أجواء كهذه، يصبح أي فعل علمي جاد أشبه بومضة ضوء في ممر طويل يهدئ الإيقاع المشحون، ويعيد ترتيب الأولويات، ويفتح باباً للتفكير في دور الجامعات حين تتكسر الأشياء من حولنا وتحتاج البلاد إلى إعادة بناء من جديد، ومن هذا المنطلق تنظم جامعة إفريقيا العالمية بالتعاون مع إتحاد الجامعات الإسلامية مؤتمراً علميا بعنوان " دور الجامعات في إعادة الإعمار عقب الحروب". الفكرة هنا ليست مجرد ملتقى أكاديمي يُضاف إلى أرشيف النشاط السنوي، بل مساحة تفكير مفتوحة تستشرف ما يمكن أن يكون عليه مستقبل الإعمار في السودان وفي العالمين العربي والإفريقي، وتبحث في كيفية تحويل المعرفة الجامعية من نصوص ومحاضرات إلى خطط وأفعال ومشاريع تنزل إلى أرض الواقع . أهمية المؤتمر تنبع من طبيعة القضية نفسها؛ فهو لا يناقش مسألة بعيدة أو نظرية، بل يتعامل مع سؤال مباشر للغاية هل تستطيع الجامعات أن تكون لاعباً محورياً في إعادة البناء بعد أن تخمد أصوات البنادق؟التجارب حول العالم تقول: نعم فالمرحلة التي تلي الحروب لا تكفي فيها القرارات السياسية وحدها، مهما كانت قوتها، ثمة حاجة إلى العقول التي تعمل بهدوء، وتبحث، وتقارن، وتضع سيناريوهات طويلة المدى، ذلك النوع من العمل الذي تتقنه الجامعات ومراكز البحوث والدراسات أكثر مما تتقنه أي مؤسسة أخرى. ومن هنا تبدو جامعة إفريقيا العالمية مكاناً مناسباً لاستضافة مثل هذا الحدث، فالجامعة بنت خلال عقود حضوراً إقليمياً واسعاً، واستقبلت طلاباً من عشرات الدول، وقدمت تجربة تظهر كيف يمكن لمؤسسة تعليمية أن تمتد خارج أسوارها لتلامس قضايا المجتمع والدولة. برامجها ومراكزها البحثية ليست محصورة في التعليم التقليدي، بل تتحرك في اتجاه ربط المعرفة بحاجات الواقع، سواء داخل السودان أو خارجه.. تأكيد الجامعة على هذا الدور يأتي ضمن رسالتها الأساسية. ليست مؤسسة تكتفي بالدرس والمحاضرة، بل طرفا فاعلا في حركة السلام والتنمية وإعادة البناء، معنى ذلك أنها تسعى إلى تحويل المعرفة إلى أثر، لا إلى أوراق تُطوى بعد انتهاء الفعالية. وجود إتحاد الجامعات الإسلامية في هذا المؤتمر يعطيه بعداً أوسع، فهو يفتح المجال لتبادل الخبرات على مستوى العالم الإسلامي، وربما إطلاق برامج مشتركة في التدريب والإعمار وتطوير مناهج جديدة، وإعداد كوادر تستطيع العمل في البيئات الخارجة من النزاعات. هذا التعاون ليس طارئاً؛ فقد سبق للطرفين أن عملا معاً في أنشطة عديدة، ما يمنح المؤتمر فرصة عملية للانتقال من التوصيات النظرية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.. ويقوم المؤتمر على مجموعة مرتكزات أساسية، من بينها: - أن التعليم هو اللبنة الأولى لأي عملية إعمار حقيقية. - أن الجامعات تمتلك طاقة بشرية وبحثية هائلة يمكن أن تكون سنداً للدولة والمجتمع في قراءة المشهد، وبناء البدائل. - أن ما بعد الحرب مرحلة تحتاج إلى بيانات موثوقة وتحليل عميق وخطط مبنية على المعرفة، وهي منتجات لا تتأتى إلا من المؤسسات العلمية. بهذا المعنى يصبح المؤتمر خطوة عملية لتحويل الجامعات من متفرّج يراقب المشهد من بعيد؛ إلى شريك في كتابة المستقبل وإعادة بناء البلدان التي أنهكتها النزاعات، وفي نهاية المطاف، يحمل المؤتمر رسالة تتجاوز أيام انعقاده، لا يمكن الكلام عن مستقبل مستقر دون استثمار جاد في العلم ومؤسساته. وتجربة جامعة إفريقيا العالمية تؤكد أن المؤسسات التعليمية - حين تتوفر لها الرؤية والإرادة - قادرة على أن تقود التغيير، وأن تبادر وتبتكر مهما كانت الظروف التي تحيط بها وبالمنطقة.

Tags:
علم فكر مسؤلية
Share this article:
Admin

Author