د. ياسر محجوب الحسين... يكتب : جامعة إفريقيا تحوّل آلام الحرب إلى أفق معرفي
في منعطفات التاريخ التي يشتدّ فيها الظلام، تظهر المؤسساتُ القادرة على تحويل الجراح إلى طاقة بناء، وتقديم العلم بوصفه طريقا للخروج من الركام. هكذا تأتي مبادرة جامعة إفريقيا العالمية في السودان بتنظيم المؤتمر الدولي الأول حول “دور الجامعات في إعادة الإعمار عقب الحروب والأزمات”، الذي ينعقد بالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية في العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان خلال الفترة 6–8 يناير 2026. إنه ليس مؤتمرا فحسب، بل إعلانٌ أكاديميّ شجاع بأن الجامعات تستطيع - بل ينبغي لها - أن تتقدّم الصفوف حين تشتعل الحروب وتنهار المؤسسات. منذ أن كانت تُعرف بـ المركز الإسلامي الإفريقي وحتى أصبحت جامعة إفريقيا العالمية قبل نحول أكثر من 30 عاما، ظلّت هذه المؤسسة منارةً للتعليم والمعرفة في القارة السمراء. أكثر من عشرين ألف طالب وطالبة من نحو تسعين دولة يجتمعون في فضائها، يقتسمون الحلم ذاته: إفريقيا أكثر علما وعدلا ونورا. وخريجوها المنتشرون في أصقاع القارة ليسوا مجرد أرقام، بل أنهار من الكفاءات تسقي مجتمعاتها علما وخدمة وإلهاما. لكن الحرب الأخيرة منذ ابريل 2023 لم تُهادن الجامعة؛ فقد طالت نيرانها البنية التحتية والمعامل والمكتبات وقاعات الدرس. غير أنّ الجامعة مثل زهرة تشقّ الصخر شقا، أبت إلا أن تعود، مستندةً إلى جهود جبارة من أساتذتها وطلابها وموظفيها الذين انخرطوا ترميم ما هدمته البنادق. هذه الروح المقاومة هي التي تمنح المؤتمر بُعده الحقيقي: بعدٌ يتجاوز الأكاديمية إلى معنى الصمود نفسه. يأتي المؤتمر ليضع الجامعات في قلب عملية الإعمار، باعتبارها المؤسسات القادرة على بناء الإنسان قبل البنيان. ويهدف إلى تقييم واقع الجامعات في الدول المتأثرة بالحروب، واستعراض التجارب العربية والدولية في إعادة الإعمار، ووضع استراتيجية مستقبلية لإعمار الجامعات وتعزيز دورها في التنمية. ومع تقديم نحو 50 ورقة بحثية مثلت مشاركات من السودان ومصر والصومال وتشاد وغينيا؛ يصبح المؤتمر أشبه بـ (أرشيف علمي حيّ) يوثّق التجربة الفريدة لجامعة إفريقيا العالمية بوصفها أنموذجا واقعيا للقدرة على النهوض بعد الحرب. ليست الأوراق تنظيرا مجردا، بل تشمل نماذج تطبيقية ودراسات ميدانية وإطارات تنفيذية تجعل من المؤتمر مشروعًا عمليًا بامتياز. يُعدّ المحور الأكبر في المؤتمر - وأكثر من ثلث الأوراق - بحثا في دور الجامعات كمؤسسات إعمار شاملة. كيف تتحول الجامعة من كيان متضرر إلى قوّة دافعة للمجتمع؟ كيف يُعاد بناء القيادة، وتعزيز الوحدة الوطنية، ومعالجة الصدمات النفسية والاجتماعية؟ كيف يمكن لحملات العلاقات العامة أن تعبّئ المجتمع ليقف خلف جامعة منكوبة؟ هذه الأسئلة شكّلت جوهر دراسات مثل: • «دور الجامعات الإسلامية في إعادة الإعمار بعد الحروب: جامعة إفريقيا العالمية نموذجاً» • «التحول من الإدارة إلى القيادة في الجامعات السودانية بعد حرب 2023» • «دور العلاقات العامة في إعمار الجامعات المتضررة» وهنا تظهر الجامعة ليس فقط كصاحبة تجربة، بل كصاحبة رسالة. محور ثانٍ في المؤتمر يركز على الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية، مستندًا إلى دور كليات التقانة الزراعية والتصنيع الغذائي. فالإعمار، في جوهره، قدرة المجتمع على أن يُطعم نفسه، وأن يبني اقتصاده من جديد. وجاءت أوراق لافتة مثل: • «دور كلية التقانة الزراعية في تعزيز الأمن الغذائي بعد الحرب» • «مساهمة تكنولوجيا الأغذية في إعادة الإعمار» لا يقل المحور المتعلق بـ استمرارية التعليم أثناء الحروب والتعليم عن بُعد أهمية عن غيره. فالتجارب الميدانية التي وثّقتها الجامعة من منصات مرنة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي تُثبت أن المعرفة تستطيع أن تجد طريقها حتى في أحلك الظروف. ومن أبرز العناوين: • «تصميم منصات تعليم عن بُعد لمناطق النزاع» • «التعليم أثناء الحرب والكوارث: تجارب الجامعات» يتضمن المؤتمر أيضا محاور شرعية تعيد تعريف الإعمار بوصفه قيمة قرآنية ونبوية. ومن ذلك: • «إعادة الإعمار من منظور القرآن الكريم» • «إعمار رأس المال البشري في ضوء السنة النبوية» • «العمل الدعوي ودوره في إعمار السودان» كما تشارك محاور فرعية مثل الأمن السيبراني، تعليم اللغات، التجارب الإقليمية، لتضيف أبعادا تقنية ومجتمعية على حد سواء. لا يتجاهل المؤتمر تجارب النهضة بعد الحروب، مستفيدا من نماذج لامعة مثل اليابان وألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث يبيّن التاريخ أن النهوض ليس معجزة، بل رؤية واستثمار في الإنسان وتحالف بين الدولة والجامعة والمجتمع. إن مؤتمر جامعة إفريقيا العالمية هو صرخة علمية في وجه الدمار، ومحاولة رائدة للتغلب على آثار الحرب في السودان عبر إحياء الدور الحقيقي للجامعات. إنه رسالة تقول: بناء الجامعات هو أساس بناء الأوطان. وحين تنهض الجامعة، ينهض المجتمع كله
Tags:
علم فكر مسؤلية
Share this article:
Admin

Author